الخطيب البغدادي

13

تاريخ بغداد

يا رئيسا آباؤه السادة الصيد * نمته من خير أصل وغرس والأديب الذي أبر على ك‍ * ل أديب في كل معنى وجنس قد أتتني أبياتك الغرر الزهر * اللواتي تحيى بها كل نفس وأزالت عني همومي بفديك * وأحيت موسدا تحت رمس وتسليت عن بعادك لا عنك * بدر أودعته بطن طرس من قريض حكى اللآلئ في ج * يد فتون لكل جن وإنس فأسلم الدهر وابق لي أبدا أنت * معافى فأنت سهمي وترسي قال أبو اليسر : وكان محمد بن الأصبغ صديقنا من أهل الأدب ، ويعجبه أن يكاتب إخوانه ويكاتبونه بكلام يخرج منه إلى شعر ، ومن الشعر إلى كلام بلا انفصال ، فاعتل في بعض الأيام وشرب دواء ، فكتبت إليه : بسم الله الرحمن الرحيم . كيف كنت يا سيدي أطال الله بقاءك ، من شربك للدواء جعل الله فيك شفاءك : فإني لما أظهرته من تألم * أشد لما تشكوه منك تألما أرى بي من الأوصاب ما بك بل أرى ال‍ * ذي بي لعمري منك أدهى وأعظما فلا زلت طول الدهر في كل نعمة * معافى على رغم الحسود مسلما وأعقبك الله السلامة إثر ما * شربت فأعطاك الشفاء متمما ودمت على مر الليالي مبلغا * أمانيك محبوا بذاك مكرما فلو وقي أحد من صرف دهر ، وعوفي من ألم وشر ، لكرم طباعه ، وطيب نجاره ، وشرف فعاله ، وخيرية جملته ، وكمال حريته ، لكنت الموقى من ذلك . لكن الله أحسن اختيارا منك لنفسك ، فأثاب الله على ما أعل ، وضاعف عليه الأجر والحمد ، وهو يقيني فيك ، ويحرسك ويكفيك ، ويصرف عنك الأسواء ويمنحك النعماء ، فما حق نفسك أن تعرم ولا جسمك أن يألم ، لولا ما أراد الله في ذلك من خير لك ، ثم أقول : ولو أنصفتك الحادثات لزايلت * رباعك واحتلت رباع الألائم وأصبحت الآلام لا تهتدي إلى * ذراك ولا تنحو سبيل الأكارم وما كنت إلا سائر الدهر سالما * موقى على رغم العدا والمراغم وقد كان ينبغي لك جعلني الله فداك مع علمك بتعلق قلبي بك ، وتطلعي إلى علم خبرك ، أن تكون قد مننت بتعريفي من ذلك ما أسكن إليه وأكثر حمد الله عليه والسلام .